موقع صدى الضاحية الإخباري

LOADING...
بئر العبد... بساتين "الحارة" التي أثمرت مقاومة
بئر العبد... بساتين "الحارة" التي أثمرت مقاومة
الإثنين 28 تشرين الأول 2013 | من شوارعنا

كانت منطقة بئر العبد في مطلع القرن الماضي عبارة عن بساتين تتوسطها بيوت أصحابها من آل: واكد، الشويفاتي، صهيون، شاهين والحاج عساف وجميعهم من أبناء حارة حريك المسسيحيين، وفي الثلاثينيات إنضم إليهم خليل صادق العيتاني الذي ترك رأس بيروت ليستقرّ مزارعًا مع أولاده الأربعة في ساحل المتن الجنوبي حيث اشترى أرضًا شاسعة تزيد مساحتها عن 80 دونمًا ولم يبق منها حاليًا سوى 40 حسبما أفادنا حفيده جمال، وكانت تلك البساتين تمدّ الضاحية بحاجياتها الزراعية وتورّد فائضها إلى الأسواق في بيروت وبقية المناطق، كما أنّها كانت محاطة ببيوت بسيطة لإقامة المزارعين القادمين من القرى اللبنانية وخصوصًا من بلاد جبيل وكسروان، ولاحقًا أُقيم إلى جانب البساتين معمل جبر للبسكويت في مطلع الستينيات، ومن ثمّ، وعلى ضوء هجمة الناس من البقاع والجنوب للسكن في الضاحية إضطرّ بعض أصحاب تلك البساتين إلى بيعها على مراحل بغية إنشاء العمارات السكنية مكانها، وهذا القرار جاء نتيجة تراجع حجم الإستفادة المادية من الأراضي الزراعية مقابل الوفر المادي الذي تؤمّنه العمارات السكنية عبر بيع الشقق وتأجيرها. ومع الوقت، وبناءً على تكاثر العمارات حول الشارع الذي يربط الشياح بالبرج إنطلاقًا من المشرّفية، تولّدت منطقة سكنية جديدة على جنبات بئر العبد، بعدما كانت لسنوات طويلة خالية وخاوية إلّا من بيوت معدودة وبساتين تملأ بخضرتها وثمارها العيون والقلوب بهجة وسرورًا، مع الإشارة إلى أن هجرة المسيحيين عن الضاحية خلال الحرب الأهلية زادها الإجتياح الإسرائيلي في العام 1982 إصرارًا على ترك الضاحية مقابل إندفاع أبناء الجنوب والبقاع للسكن في تلك المنطقة السكنية الناهضة.
 

حكاية التسمية
جاء في كتب المؤرّخين، أنّ الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير وبينما كان متوجّهًا مع حاشيته من قصره في مدينة صيدا إلى بيروت أراد أن يستريح من عناء السفر في محلّة يُطلق عليها إسم "شعبانة" تقع في صحراء الشويفات، وفيها نبع عذب محاط بالأشجار والمروج الخضراء من كلّ جانب، وبعد الأكل والشراب والراحة أكمل الأمير وحاشيته المسير، لكنّه لاحظ أن طاسة الشراب الفضّية المهداة إليه من أحد الولاة ليست في خرج فرسه، فطلب من حارسه وهو عبد أسود، قامته كالرمح، أن يعود إلى المرج ليأتيه بالطاسة التي نسيها هناك، ثم أكمل الموكب الأميري سيره حيث مرّ في منطقة المريجة وكان فيها جنازة فترجّل الأمير ورجاله عن خيولهم إحترامًا للميّت واجتازوا بين المشيّعين على أقدامهم ثم اعتلوها وقادوها على مهل بانتظار إلتحاق العبد بموكبهم، وما أن بلغوا المحلّة المعروفة بالرادوف حتى سمعوا طلقًا ناريًا يدوي، فصرخ على إثره الأمير "العبد قُتل"، ولما سُئل، ما دفعك إلى هذا القول؟ أجاب "من المؤكّد أن العبد شقّ الجنازة على فرسه دون أن يترجّل لجهله عادات البلاد فأطلق أحدهم عليه النار". وبالفعل، فقد لمح الأمير ومن معه فرسًا تعدو جافلة باتجاههم، ولمّا اقتربت منهم تبيّنوا أن العبد فوقها محني الرأس على رقبتها ممسكًا بشعرها وهو ينزف، وعُلم فيما بعد أن إمرأة شاهدته من نافذة بيتها يخترق الجنازة بين جمهور المشيّعين على ظهر فرسه فلم تطق إستخفافه بحرمة الموت فتناولت البندقية وسدّدت رصاصتها إلى صدره، بعد ذلك حملوا العبد إلى بئر قريب من بساتين حارة حريك ليسقوه ويغسلوا عنه الدماء، إلّا أنّ إصابته في الرئة كانت قاتلة، فلفظ أنفاسه الأخيرة على حافة البئر ومنذ ذلك الحين سُمّيت هذه المحلّة ببئر العبد.

خزّان المقاومة وبيئتها الحاضنة
شهدت فترة السبعينيات والثمانينيات تحوّلاً ديموغرافيًا جذريًا في هوية محلّة بئر العبد، فالأبنية شهقت ارتفاعًا وتوزّعت في كلّ الإتجاهات، ومع تهجّر معظم مسيحيّي البلدة من أبناء حارة حريك وجوارها وفي ظلّ هجمة تجّار البناء كثرت المحال والأسواق واكتظ الشارع الوحيد بالناس لا بلّ تفرّعت منه شوارع وأبنية ومعالم جديدة، أبرزها اليوم: الشورى والشيخ راغب حرب والشهيد أحمد قصير، بالإضافة إلى  مسجد الإمام الرضا (ع) الذي كان بمثابة نقطة الإنطلاق للفكر المقاوم مع العلاّمة المجاهد الراحل محمد حسين فضل الله، هذا، وتسابقت المصارف لحجز فروعها في الشارع الذي لا يهدأ، كما عمّت الأسواق الملبّية لحاجيات المواطنين على قاعدة "طلب الرزق عند مزاحمة الأقدام". ففي هذا الجوّ العابق بخطابات السيد فضل الله تنوّرت العقول بالفكر المقاوم وتلوّنت بالإلتزام الديني، وهذا ما دفع البعض لتشبيه بئر العبد في تلك الفترة بمدينة "قم" الإيرانية، وفي منتصف الثمانينات دوّى الإنفجار الذي كان يهدف إلى إزاحة السيد فضل الله عن منابر التوجيه والتنوير، فحصد عشرات الشهداء وبقي صوت السيد هادرًا، وفي حرب تموز 2006 ألقت الطائرات الإسرئيلية أطنانًا من المتفجرات على منطقة الشورى (ما يُعرف بالمربع الأمني)، فأُزيلت عمارات وسقط المئات من الشهداء، لكن "الضاحية" ظلّت على عهدها وعادت أجمل ممّا كانت، كما وعد سيد المقاومة وأمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، وفي تموز (2013) الماضي دوّى انفجارًا في موقف السيارات التابع لمركز التعاون الإسلامي، وفي آب (2103) أيضًا دوّى انفجار في منطقة الرويس المحاذية لبئر العبد فحصد العشرات من الشهداء... ومع ذلك بقيت الناس على قناعاتها داعمة للمقاومة، كما بقيت بئر العبد على عهدها خزّانًا للمقاومة، وناسها اليوم هم البيئة الحاضنة لها والمؤمنين بصوابية سلاحها في وجه العدوّ الصهيوني. إنّها بئر العبد بالإسم لكنّها بالفعل هي خزّان الأحرار ومعقل الثوّار وبستان الناس الطيّبين.

تتميّز بئر العبد حاليًا، بالكثافة السكّانية اللّافتة وكثرة المحال والأسواق التجارية والمصارف، وهي تتبع عقاريًا لحارة حريك التي تبلغ مساحتها (1،82 كلم2)، ويُقيم فيها معظم كوادر المقاومة الإسلامية.

أجندة مناسبات الضاحية
موقع صدى الضاحية الإخباري © 2017